فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
رسول الله وكانوا صادقين فيه ، فوجب أن يقال إنهم كانوا كاذبين في كلام آخر سوى اللفظ وما هو إلا كلام النفس ، ولقائل أن يقول : لا نسلم أنهم ما كانوا كاذبين في القول اللساني ، قوله : " أخبروا أن محمداً رسول الله " قلنا : لا نسلم بل أخبروا عن كونهم شاهدين بأن محمداً رسول الله ، لأنهم كانوا قالوا : * ( نشهد أنك لرسول الله ) * ( المنافقون : 1 ) والشهادة لا تحصل إلا مع العلم ، وهم ما كانوا عالمين به ، فثبت أنهم كانوا كاذبين ، فيما أخبروا عنه بالقول اللساني ، وأما الأثر فما نقل أن عمر قال يوم السقيفة : كنت قد زورت في نفسي كلاماً فسبقني إليه أبو بكر ، وأما الشاعر فقول الأخطل : - فإن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأما اللذين أنكروا كون المعنى القائم بالنفس يسمى بالكلام فقد احتجوا عليه بأن من لم ينطق ولم يتلفظ بالحروف يقال إنه لم يتكلم ، وأيضاً الحنث والبر يتعلق بهذه الألفاظ ، ومن أصحابنا من قال : اسم القول والكلام مشترك بين المعنى النفساني وبين اللفظ اللساني . المسألة التاسعة عشرة : هذه الكلمات والعبارات قد تسمى أحاديث ، قال الله تعالى : * ( فليأتوا بحديث مثله ) * ( الطور : 34 ) والسبب في هذه التسمية أن هذه الكلمات إنما تتركب من الحروف المتعاقبة المتوالية فكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه ، فلهذا السبب سميت بالحديث ويمكن أيضاً أن يكون السبب في هذه التسمية أن سماعها يحدث في القلوب العلوم والمعاني ، والله أعلم . المسألة العشرون : ههنا ألفاظ كثيرة ، فأحدها : الكلمة ، وثانيها : الكلام ، وثالثها : القول ، ورابعها : اللفظ ، وخامسها : العبارة ، وسادسها : الحديث ، وقد شرحناها بأسرها ، وسابعها : النطق ويجب البحث عن كيفية اشتقاقه ، وأنه هل هو مرادف لبعض تلك الألفاظ المذكورة أو مباين لها ، وبتقدير حصول المباينة فما الفرق . المسألة الحادية والعشرون : في حد الكلمة ، قال الزمخشري في أول " المفصل " : الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع . وهذا التعريف ليس بجيد ، لأن صيغة الماضي كلمة مع أنها لا تدل على معنى مفرد بالوضع ، فهذا التعريف غلط ، لأنها دالة على أمرين : حدث وزمان وكذا القول في أسماء الأفعال ، كقولنا : مه ، وصه ، وسبب الغلط أنه كان يجب عليه جعل المفرد صفة للفظ ، فغلط وجعله صفة للمعنى . اللفظ مهمل ومستعمل وأقسامه : المسألة الثانية والعشرون : اللفظ إما أن يكون مهملاً ، وهو معلوم ، أو مستعملاً وهو على ثلاثة أقسام : أحدها : أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء من المعاني البتة ، وهذا